علي بن أحمد المهائمي

99

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

أجسام ليست صورة الحق ، وإن كانت من حيث الوجود ، وبعض المعاني القائمة بها صور الحق وأسمائه ، كما أشار إليه بقوله : ( وهكذا ) أي : كما ظهر الحق في آدم بصورته المعنوية كذا ( هو ) ظاهر بصورته المعنوية من جهة الذات والأسماء ( في كل موجود من العالم ) الكبير ( بقدر ما تطلبه حقيقة ذلك الموجود ) ، وإن لم تكن أجسامه وأعراضها المحسوسة صورا لذاته ولأسمائه ، بل باعتبار وجودها وبعض المعاني القائمة بها ، لكن تلك الصور الإلهية فيها لا تكفي في استفاضة الفيض ؛ لأنه منوط بالجمعية ، وليست لغير الإنسان الكامل . وإليه الإشارة بقوله : ( ولكن ليس لأحد ) من العالم ( مجموع ما للخليفة ) من صورة الحق ذاته وأسمائه ، وإذا كان جميع ما في العالم مع اشتماله على صورة الحق ، ومناسبته إياه بها لا يصلح للاستفاضة ، مع أنه لا بدّ من الفيض ؛ لعموم الجود الإلهي ، ولا بدّ من المناسبة التامة التي للخليفة الذي هو الإنسان الكامل ، ( فما فاز ) برتبة الخلافة على الكل ( إلا بالمجموع ) ، إذ لو جاز استفاضة من كمل صورة اسم بذاته ، لجاز الفيض بالأصالة على ما ليس بمقصود بالذات ، واستدل على أن الحق ظاهر بصورته المعنوية في كل موجود من حيث الوجود ، ومن حيث بعض المعاني القائمة به بقوله : ( فلو لا سريان الحق في الموجودات ) أي : سريان إشراق نوره على بواطن الموجودات ، بحيث ( يظهر فيها بالصورة ) « 1 » سريان نور الشمس في المرآة بظهور صورتها فيها من غير أن ينفصل من الشمس شيء ، ولا يحل منه في المرآة ( لما كان للعالم وجود ) ، إذ أصله العدم ، وهو وإن كان ممكنا يستوي الوجود والعدم بالنسبة إليه ، فيكفي عدم ترجيح الوجود مرجحا لعدمه ، كما أنه لا نور في المرآة بدون إشراق نور الشمس عليها ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ النور : 35 ] . وهذا ما قاله الإمام حجة الإسلام الغزالي في « مشكاة الأنوار وحقيقة الحقائق » ، ومن هاهنا ترقى العارفون من حضيض المجاز إلى بقاع الحقيقة ، واستكملوا معارجهم فرأوا بالمشاهدة العينية أنّ ليس في الوجود إلّا اللّه سبحانه وتعالى ، وأن كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] ، لا أنه يصير هالكا في وقت من الأوقات ، بل هو هالك أزلا وأبدا ، ولا يتصور إلّا كذلك ، فإن كل شيء سواه إذا اعتبرت ذاته من حيث ذاته فهو عدم محض ، وإذا اعتبرت من الوجه الذي سرى الوجود إليها من الأول الأحق ، وأي موجود إلّا في ذاته بل من الوجه الذي يلي موجده ، فيكون الموجود وجه اللّه فقط ، ثم شبه ظهور الحق في الموجودات بظهور الحقائق الكلية في الموجودات العينية إشعارا بأنه لا يستلزم الحلول

--> ( 1 ) في نسخة : « وظهوره » .